المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلاف بين العلماء



Issam Al Idrissi
03-25-2010, 02:25 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فلعل موضوعي يكون اول ما يفتتح به هذا القسم من المنتدى، و لعله يكون ذا نفع لاخواني و اخواتي. و هو نقل بتلخيص لرسالة لشيخنا ابن العثيمين عن الاختلاف بين العلماء و عن اسبابه.
و لا يفوتنا ان ننبه الى ان اختلاف اهل العلم من السلف انما يدور حول الفروع، اما ما كان من العقيدة كالايمان و الاسماء و الصفات و القدر و غير ذلك، فليس يعرف بينهم الا في مواطن قليلة انبرى لها اهل الفضل بالتبيين و التوضيح. فلله الحمد و المنة على عصمة الامة من الزلل.
--------------------------------------------------------------------

من المعلوم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلّم بالهدى ودين الحق، وهذا يتضمن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد بيَّن هذا الدين بياناً شافياً كافياً، لا يحتاج بعده إلى بيان؛ وكان الناس في عهده صلوات الله وسلامه عليه يرجعون عند التنازع إليه فيحكم بينهم ويبيِّن لهم الحق سواء فيما يختلفون فيه من كلام الله، أو فيما يختلفون فيه من أحكام الله التي لم ينزل حكمها، ثم بعد ذلك ينزل القرآن مبيِّناً لها.
{وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}

ولكن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلّم اختلفت الأُمَّة في أحكام الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة وأصول مصادرها. ونحن نعلم أنه لا يوجد أحد من ذوي العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم يخالف ما دلَّ عليه كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلّم عن عمد وقصد, ولكن مثل هؤلاء الأئمة يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله تبارك وتعالى، وهذا الخطأ أمر لابدَّ أن يكون؛ لأن الإنسان كما وصفه الله تعالى بقوله: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}.

ونحن نجمل أسباب الخطأ من أهل العلم - مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة- في الأسباب الآتية السبعة :


1 أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه:

مثال مبين: ثبت في صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وفي أثناء الطريق ذُكر له أن فيها وباء وهو الطاعون، فاستشار المهاجرين والأنصار واختلفوا في ذلك على رأيين.. وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبدالرحمن بن عوف فقال: إن عندي من ذلك عِلماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراًمنه ( أخرجه البخاري، كتاب الطب 5729، ) فكان هذا الحكم خافياً على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، حتى جاء عبدالرحمن فأخبرهم بهذا الحديث.


2 أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله:

فرأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فأخذ بما يراه أقوى منه. مثلاً فاطمة بنت قيس رضي الله عنها طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبرها النبي: أنه لا نفقة لها ولا سكنى( أخرجه مسلم، كتاب الطلاق 1480) لأنه أبانها والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملاً؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
عمر رضي الله عنه ـ ناهيك عنه فضلاً وعلماً ـ خفيت عليه هذه السُّنَّة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، وردَّ حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت، فقال: أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت؟ وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يطمئن إلى هذا الدليل.

وكم رأينا من أقوال لأهل العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة فيأخذون بها، ويراها الآخرون ضعيفة، فلا يأخذون بها، نظراً لعدم الوثوق بنقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

3 أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه

وجلَّ من لا ينسى، كم من إنسان ينسى حديثاً، بل قد ينسى آية. رسول الله صلى الله عليه وسلّم صلَّى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسياناً، وكان معه أُبي بن كعب رضي الله عنه، فلمَّا انصرف من صلاته قال: "هلا كنت ذَكَّرتنيها" (أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة 907) وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى, إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}

ومن هذا قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر رضي الله عنهما حينما أرسلهما رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حاجة، فأجنبا جميعاً عمار وعمر. أما عمار فاجتهد ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلَّى، أما عمر رضي الله عنه فلم يصل.. ثم أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" ـ وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. وكان عمار رضي الله عنه يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فأخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا" . ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله عليَّ من طاعتك أن لا أُحدِّث به فعلت، فقال له عمر: نوليك ما توليت يعني فحدِّث به الناس .

فعمر نسي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلّم جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وحصل بينه وبين أبي موسى رضي الله عنهما مناظرة في هذا الأمر، فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية؟ ـ يعني آية المائدة ـ فلم يقل ابن مسعود شيئاً، ولكن لا شك أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجُنُب يتيمم، كما أن المحدث حدثاً أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي، فيقول قولاً يكون به معذوراً لكن مَن علِم الدليل فليس بمعذور.


4 أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد.

ومن هذا قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً...} اختلف العلماء رحمهم الله في معنى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ففهم بعضٌ منهم أن المراد مطلق اللمس، وفهم آخرون: أن المراد به اللمس المثير للشهوة. وفهم آخرون أن المراد به الجِماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس رضي الله عنهما.

و من السُّنَّة: لمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غزوة الأحزاب، ووضع عدَّة الحرب جاءه جبريل فقال له: إنا لم نضع السلاح فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالخروج وقال: "لا يصلينَّ أحدٌ العصرإلا في بني قريظة" الحديث، فقد اختلف الصحابة في فهمه. فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها. ومنهم مَن فهم: أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة فأخَّروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها ( أخرجه البخاري، كتاب الخوف 946 )

5 أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ

فيكون الحديث صحيحاً والمراد منه مفهوماً ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه، فحينئذٍ له العذر لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم بالناسخ. ومن هذا رأى ابن مسعود رضي الله عنه.. ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه ويضعهما بين ركبتيه، ثم نُسخ ذلك، وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ(صحيح البخاري، كتاب الأذان 790) وكان ابن مسعود رضي الله عنه لم يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلَّى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبتيهما، ولكنه رضي الله عنه نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق.


6 أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع

بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة. وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعاً. لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظنَّ أن لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص، فيجتمع في ذهنه دليلان النص والإجماع.

7 أن يأخذ العالم بحديث ضعيف.. أو صحيح يستدل استدلالاً ضعيفاً

فمن أمثلته أي أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن حديثها كذب على رسول الله.

و في اختم كلامي بحمد الله على ممنه و نعمه، و اسالكم الدعاء لي و للشيخ بالرحمة و المغفره.

راجية الله
03-25-2010, 05:22 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما شاء الله اخي الكريم عصام الادريسي موضوع قيم جدا
لان المخالفين لعقيدة الاسلام هذا هو محور كلامهم بان العلماء يختلفون
حتي انهم انشأوا مذاهب مختلفة
ولكن لا يعلمون ان العلماء يختلفون في فروع الدين وليست الاصول
جزاك الله عنا خير الجزاء وجعله الله في موازين حسناتك
وعلمك ما ينفعك ونفعك بما علمك انه ولي ذلك والقادر عليه

Bint elBahrain
04-05-2010, 06:08 AM
الموضوع قيّم جداً .. رحم الله علمائنا وشيوخنا ..
جزاك الله خيرا اخونا عصام

Admin
04-06-2010, 09:16 PM
جزاك الله خيرا وجعل مثواك الجنة إن شاء الله

ابن حجر
04-06-2010, 11:39 PM
جزاكم الله خيرا و نفع بكم و رحم الله شيخنا ابن عثيمين

omar_oman
04-18-2010, 06:04 PM
اخي عصام الادريسي
جزاك الله خير الجزاء على الجهد
رحم الله علماءنا الكرام السابقين
وحفظ الله علماءنا المعاصرين
وحفظ الله مشاعرنا المقدسه في الحرمين الشريفين وفي ارض فلسطين
تقبل المرور اخي

أبو رغـــد
05-11-2010, 12:08 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك اخي عصام الادريسي وعلى الموضوع الطيب

وهذا رد للمتشدقين والمشككين بعلة اختلاف العلماء على بعض المسائل

التي ليست من العقائد ولم ينص عليها الشارع نصاً مباشراً

تقبل مروري

alowola
06-19-2010, 12:19 AM
الخلاف بين العلماء يجعل االعوام في تخبط لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ..
اسال الله ان يهديهم الى سواء السبيل ..

جزاك الله خير وجعلة في ميزان اعمالك ..

موفق ..

بنت الحميراء والزهراء
07-19-2010, 06:17 PM
بارك الله فيـــك

رحم الله مشاييخنا على ماقــدموهـ لهذهـ الامـــه

واخلاصهم لله

ابو الوليد الازدي
08-30-2010, 05:59 PM
اللهم ارحم ابن باز وابن عثيمين وكل المشائخ موظوع جميل ورائع من شخص مميز شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .